أبي منصور الماتريدي
279
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والأحكام إلى سبيلها لزوم الفصل بالقضاء بين أربابها . فمن جعل فصل القضاء بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج ، وقال اللّه تعالى : وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [ الكهف : 26 ] . وأما مخالفة السنة - فقوله صلى اللّه عليه وسلم : البينة على المدعى ، واليمين على المدعى عليه « 1 » . فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه . فإذا كان كذلك ، وقد جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم حجة المدعى عليه اليمين ، ولم يجعل اليمين حجة للمدعى ؛ فلذلك قلنا : إنه المخالف لظاهر الكتاب والسنة . ولأن اللّه تعالى جعل المرأتين في حال الضرورة ، وهو حال عدم الرجل مقام ذلك الرجل ، فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة ، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتهن ، وتكلف القضاة فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن ؛ لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين . واللّه أعلم . فإن قيل : روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قضى به « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الدارقطني ( 4 / 218 ) ، عن عبد اللّه بن عمرو وعمر بن الخطاب . وله شاهد عن عبد اللّه بن عباس . أخرجه البخاري ( 4552 ) ، ومسلم ( 1 / 1711 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1337 ) كتاب : الأقضية ، باب : القضاء باليمين والشاهد ، حديث ( 3 / 1712 ) ، وأبو داود ( 4 / 32 ) كتاب : الأقضية ، باب : القضاء باليمين والشاهد ، حديث ( 3608 ) ، والنسائي في الكبرى ( 3 / 490 ) كتاب : القضاء ، باب : الحكم باليمين مع الشاهد الواحد ، حديث ( 6011 ) ، وابن ماجة ( 2 / 793 ) كتاب : الأحكام ، باب : القضاء بالشاهد واليمين ، حديث ( 2370 ) ، وأحمد ( 1 / 248 ، 315 ، 323 ) ، والشافعي ( 2 / 178 ) كتاب : الأقضية ، رقم ( 627 ، 628 ) ، وابن الجارود في المنتقى رقم ( 1006 ) ، وأبو يعلى ( 4 / 390 ) رقم ( 2511 ) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار ( 4 / 144 ) كتاب : الأقضية ، باب : القضاء باليمين مع الشاهد ، والبيهقي ( 10 / 167 ) كتاب : الشهادات ، باب : القضاء باليمين مع الشاهد ، والبغوي في شرح السنة ( 5 / 340 ) كلهم من طريق قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قضى باليمين على الشاهد » . وهذا الحديث قد طعن فيه الطحاوي فقال في « شرحه » : أما حديث ابن عباس فمنكر ؛ لأن قيس ابن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء فكيف يحتجون به في مثل هذا . ا ه . وقد رد عليه البيهقي فقال في المعرفة ( 7 / 401 - 402 ) : ورأيت أبا جعفر الطحاوي - رحمنا اللّه وإياه - أنكر واحتج بأنه لا يعلم قيسا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء ، والذي يقتضيه مذهب أهل الحفظ والفقه في قبول الأخبار ، ما كان قيس بن سعد ثقة ، والراوي عنه ثقة ثم يروى عن شيخ يحتمله سنه ، ولقيه ، غير معروف بالتدليس كان ذلك مقبولا ، وقيس بن سعد مكي ، وعمرو بن دينار مكي وقد روى قيس عمن هو أكبر سنا وأقدم موتا من عمرو : عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر ، وروى عن عمرو من كان في قرن قيس وأقدم لقيا منه : أيوب بن أبي تميمة السختياني فإنه رأى أنس -